هشام جعيط

14

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

الفرس « 1 » . ونمت القدرة العسكرية لهذه المملكة في القرن الخامس والقرن السادس الميلادي ، كما اتسع مجال عملها . ولكن لا يعني ذلك أننا نجاري كيستر Kister في رأيه القائل إن نسيج العنكبوت الذي حبكه ملوك الحيرة قد امتد إلى بلاد العرب كافة ، وكأنهم أصبحوا المحور والمرجع للوجود السياسي كله في بلاد العرب ، إنما دخلت الحاشية الشرقية لشبه الجزيرة بصفة متفاوتة في جهازهم . فكان بنو بكر صنائع لهم ( من المرتزقة أو بالأحرى كانوا أعوانا مأجورين ) ، والنمر أيضا ، وارتبطت تميم بهم بفضل رباط الردافة ، وعقد عهد بينهم وبين سليم وهوازن ، ويمكن اعتبار غطفان وأسد قبيلتين حليفتين لهم . كانت الحيرة إمارة مهمة ، بل كانت تصنف ضمن الممالك الأربع التابعة التي كانت تحويها كل الإمبراطورية . وكان ملكها يلقب بلقب شهداران « 2 » . أما دورها الثقافي والحضاري فيبدو عظيما إذ نصّبت نفسها مركزا للشعر العربي الأصيل وملتقى لتأثيرات مختلفة كذلك . أما على الصعيد الديني فقد تعايشت فيها الوثنية العربية والمانوية والمزدكيّة والنسطورية والمذهب التوحيدي لطبيعة المسيح . ويبدو أن المسيحيين المشار إليهم من طرف المصادر بكلمة العباد كانوا يشكلون الأغلبية ، وعلى رأسهم أسقف من القرن الخامس . فمثلا نجد أوزي Ose ? e أسقفا في سنة 410 م ، على « هرته » ، وكان حاضرا بمجمع سلوقيه حيث نظمت كنيسة فارس « 3 » في سنة 510 م ، وصوت نرسس Narses الأسقف النسطوري ، لصالح انتخاب جاثليق جديد « 4 » . وكان الجوجو تسامح ، فكان هذا الملك يبدي تشككه تجاه المسيحية ويذهب الأمر بغيره من الملوك - كالنعمان بن المنذر القديم - إلى حد اعتناق الحياة التنسكيّة ، بانيا أديرة وصوامع « 5 » . ستقتبس الكوفة كثيرا من هذه الخاصيات الحضارية والثقافية ، ولا سيما العناصر الهندسية المعمارية ، والكتابة ، وعناصر الشعور الديني وبذلك تبقى قضية تأثير الحيرة على ثقافة الكوفة كقضية أساسية . كانت مملكة الحيرة تقوم بدور فعال ، دور الحاجز بين العرب والفرس ، وطرأت عليها تغييرات ابتداء من القرن السابع . فقد أقصى كسرى أبرويز ، في 602 ، الأسرة اللخمية

--> ( 1 ) الأغاني ، طبعة القاهرة ، 1928 ، ج 2 ، ص 146 ؛ الألوسي ، بلوغ الأرب ، بغداد ، 1314 ه ، ج 2 ، ص 191 . كانت الكتيبة الأولى تسمى دوسر ، وكانت شديدة المراس في القتال ، وتسمت الثانية الشهباء ، وعرفت الكتيبتان أيضا باسم « القبيلتين » . ( 2 ) Christensen , Iran . . . , p . 96 . ( 3 ) انظر مادة « Arabie » في : Dictionnaire d'Histoire et de Ge ? ographie eccle ? siastiques . ( 4 ) . Talbot - Rice , art . cit , p . 254 . لقد ازداد عدد النسطوريين . ( 5 ) الأغاني ، ج 2 ، ص 135 : يروى أن هندا ابنته هي التي أمرت ببناء دير هند الشهير الذي كان محاذيا لمدينة الكوفة المقبلة .